الخميس، 3 ديسمبر 2009

القروض الشخصية في دولة الامارات العربية المتحدة وأثرها على الفرد والأسرة والمجتمع



القروض الشخصية في دولة الأمارات العربية المتحدة
وأثرها على
الفرد والأسرة والمجتمع.

الدكتور أحمد الجُبير
استاذ مشارك/ كلية القانون جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا.
ahmad.aljobair@hotmail.com



سياسة الدولة الاقتصادية:
· ان سياسة دولة الأمارات العربية المتحدة اليوم تقوم على أساس من الحرية الاقتصادية، وعلى تطبق شعار دعه يعمل.. دعه يمر، والمفروض من الجميع العمل وفق هذا الشعار، وعليهم عدم الحد من آليته، والاستفادة القصوى من تطبيقة .
· إذ أن هذا المبدأ هو الذي فتح الباب للدولة في البناء والأستثمار،
· وهو هدف تسعى اليه ( حتى الدول الكبيرة )،
· فكان تطبيق الشعار المذكور سبباً في الانطلاقة التنموية الكبيرة في جميع مجالات الحياة في الدولة رغم أنه ليس المجال الوحيد للعمل الاقتصادي.
· وبالتأكيد فأن لكل عمل إيجابياته وسلبياته.

محفزات وأسباب الاقتراض:
· من محفزات الاقتراض هي:
· الانطلاقة الافتصادية الهائلة والتوسع والانفتاح.
· الرغبة الجامحة في الربح السريع .. مما دفع الكثير من الشباب للاقتراض الشخصي والتعامل مع الأسهم (البورصات) ناهيك عما رافق تلك العملية من:
· الدخول في مظاهر التفاخر بالرفاهية والترف، والتي دفعت الى اللجوء الى المزيد من القروض من البنوك، (التى شجعت بدورها، وبسخاء تلك المظاهر).
· إن عمل البنوك هذا، سرعان ما انعكس سلباً على حياة الشباب وبالتالي على عوائلهم بالتبعية.
وقد يلجأ الشباب للقروض الشخصية لأسباب عديدة منها :
أولاً : أسباب شخصية :
· كالرغبة في العمل والنجاح. ( دون تتوفر القدرة على الوصول الى الأهداف لأسباب شخصية (كقلة التعليم، والخبرة) وهي الصفات الغالبة.. أو لأسباب خارجة عن نطاق الفرد كأن تكون: لأسباب تقنية أو الرغبة في التفاخر والظهور بما هو عليه الآخرون، كشراء سيارة فخمة أو إقامة مراسيم زواج مكلفة أو غيرها من المظاهر، والتي يشجع عليها المجتمع في الظروف الحالية.
ثانياً: أسباب عامة تتلخص في :
· التسهيلات التي تقدمها البنوك: وما يتبعها من: سياسات دعائية، وثقافات تشجيعية، تسهم في كسب أكبر قدر ممكن من المقترضين. (ونشير الى أن بعض هذه السياسات التي تتبعها بعض البنوك تضر بالفرد والمجتمع على السواء) لانها تشكل فخاخ لفئة واسعة من الناس تعود عليهم بالضرر، وعلى عوائلهم والمجتمع بالنتيجة، خصوصاً تلك الفئات التي لاتعي الأضرار المستقبلية لذلك العمل.
· المناخ العام والمتمثل في الطفرة التنموية التي تحصل في الدولة ، مما يخلق أجواء المنافسة، خصوصاً لدى فئة الشباب والتفكير بالكسب السريع،
تبعات الاقتراض....
· لهذا الإندفاع والحماس مساويء تقود الى الدخول في مجالات يكون الفرد فيها غير ذي خبرة.
· (كما هو الحال في الدخول في مجال المضاربات في الأسهم (البورصة) مما تعود على الفرد بنتائج كارثية تقود به الى السجن، أو لتدمير وضعه العائلي أو علاقته بالمجتمع وما الى ذلك. كما ينعكس ذلك على المجتمع بشكل مباشر،
· حيث تتحمل الجهات الأمنية والقضائية العبيء الأكبر في المتابعة والتنفيذ،
· أما البنوك فتتحمل عبيء الخسائر المادية والجهد في المتابعة .
· كما أن المجتمع يتحمل الخسائر المادية والنفسية المترتبة على تلك العملية.
مسئولية الخطأ.
· حين السؤال عن مسئولية هكذا عمل:
· نجيب:
أولاً: بأن الطرفين ( البنوك والأفراد ) يتحمل المسئولية لما يحصل في البلد.
· غير أن البنوك تتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية لسببين هما:
1) إن البعض من هذه البنوك لاتعمل ضمن ضوابط تخدم المجتمع. إذ أن ما تقوم به اليوم هو إهدار لثروات يمكن الإستفاده منها بشكل أفضل وتجنب الناس أضراها.
2) لو تقيدت هذه البنوك في ضوابط العمل المعمول فيها في الدول التي تعمل وفق ضوابط العمل المصرفي الملتزم، مع الأخذ بما يخدم عادات وتقاليد المجتمع العربية والإسلامية لحرمت فئات كبيرة من (غير الواعين للأضرار المترتبة على إقتراضهم لأسباب لا تخدم واقعهم أو مستقبلهم). ولجنبت المجتمع هذه الأضرار والثغرات التي تعاني منها فئآت كثيرة في المجتمع.
ثانياً: السياسات الأعلامية والتربوية الخاطئة لها نصيبها المتميز في المسئولية المشار اليها. وعليه لابد من أن نعيد تحديد الأهداف لما نريد لأبنائنا في المستقبل. وعلى ضوء ذلك علينا: توجيه الوسائل المتاحة لخدمة تلك الأهداف. وبما أن المجتمع يريد لأبناءه النجاح لبناء دولته على أسس ذات مواصفات خاصة
· إذن علينا أن نستعد من اليوم لهذا البناء. وبما أن التربية والأعلام في يومنا هذا، تعتبر من الأسس التي تقوم عليها حركة النجاح. إذن فعلينا التوجه من :
· سياسة الأغراء للشباب ودفعهم للوقوع في (شباك القروض) والمخاطر القانونية والمالية ومن التوعية غير السليمة التي يكتسبها الفرد من محيطه، والتي تدفعة للإنغماس في مظاهر الثراء والرفاهية غير الواقعية، الى سياسة:
· الإرشاد والدفع نحو البناء الرشيد، وذلك من خلال سياسات إعلامية ومالية تدعو الى الإستثمار (الحقيقي) بما يعود على الفرد والمجتمع بمنافع إيجابية.
· والتوجه نحو تربية الفرد، وإلزامه بضوابط العمل الجدي ، فيما لو فكر في أن يستثمر وأن يبني مسقبلاً مضموناً.
· نعم ... جميعنا يمر بأزمات... وفي بعض الأحيان نكون في شدة الحاجة الى المال، ولكن ليس الاحتياج لمظاهر الترف أو التبذير.
نقاط يجب الأخذ بها:
· وهنا نحث الجميع على:
· التوفير بكل أشكاله، وتطبيق المثل الشعبي القائل " القرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود ".
· وعلى البنوك أن تعمل على : تنمية الادخار والتشجيع عليه،
· وأن تكون رسالة البنوك هي التشجيع على التوفير بدل الاقتراض،
· وأن تصرف هموم عملاء البنوك إلى:
· زيادة رصيدهم المالي لا إلى افراغ حساباتهم.
· ويجب أن تكون الثقافة المالية والاقتصادية متمركزة في:
· عدم التبذير،
· والتوجه نحو التوفير الشخصي، ليواجه الإنسان ظروف حياته الطارئة.. وبالتأكيد فإن كل إنسان مهما كان دخله قليلاً، يستطيع ان يستقطع جزءاً صغيراً منه وايداعه لدى البنك،
· وبالامكان تنمية هذه المدخرات البسيطة لتكون نواة استثمار كبيرة في حالة بقائها فترة كافية تحت تصرف البنك وحكمة العاملين فيه.
· وبهذا ستكون البنوك محطة للتوفير بدل أن تكون محطة للتبذير..
· وقد أشارت الصحافة بخصوص حل مشكلة القروض بالقول: (جريدة الخليج).(حل مشكلة القروض يتمثل في تطبيق القوانين ونشر ثقافة التوفير التي من الواضح أن البنوك تحاربها، ولكنها هي الحل الحقيقي لحماية الناس من الاقتراض ومتاهات السجون).
· وإلا يصبح من الطبيعي جداً أن تصل قيمة القروض البنكية للمواطنين وغير المواطنين إلى 120 مليار درهم، كما تشير الصحافة والمأخوذة عن إحصائيات البنك المركزي.
· من العدل أن لانظلم جهة على حساب جهة أخرى وحتى لانلوم الجهة الضعيفة في القضية علينا أن :
· نلزم الجهة القوية بضوابط .. أو، أنظمة عمل واجبة التطبيق، والتي من خلالها .. يمكننا محاسبتها وإعتبارها مخالفة لتلك الضوابط. وإلا فليس بإمكان أحد توجيه إتهامات لتلك الجهات.
المهمة الأساسية للعمل المصرفي:
· ان المهمة الأساسية بإعتقادنا هي مهمة البنك المركزي الذي من واجبه:
· تحديد حركة البنوك والحد من نشاطها المخالف للشروط الواجب السير عليها لبناء مجتمع دون ضحايا (نتيجة لجهلهم أو لطمعهم أو لسلوكهم الخاطئ أو تصرفاتهم التي تعتبر مخالفة للقوانين).
· فعدم مسائلة البنوك.. ليست عملية محاباة أو خوف وما الى ذلك ..
· بقدر ماهي:
· فقدان لوجود ضوابط تحدد آلية عمل البنوك هذه وبالتالي لوجود آلية لمحاسبتها.
ومثال ذلك هو أن البنوك لا تقوم بدراسة موسعة عن طالبي القروض ولا عن قدراتهم الائتمانية،
· كما انها لا تبحث عن صحة وجود الحاجة لهذه القروض من عدمها،
· كما أنها لا تعمل على متابعة وملاحقة المال المصروف وأوجه صرفه، فقد لا تكون هناك حاجة فعلية أو ضرورة ملحة للحصول على هذه القروض،
· ولكن .... قد تكون هذه القروض بذات الوقت:
· بمثابة فخاخ يقع فيها المقترضون، حيث إن إغراء توفر السيولة وإمكانية الحصول عليها بسهولة يشجع الكثير من الحصول عليها، ومن ثم صرفها في أوجة قد لا تكون ذات فائدة... وبالمناسبة فإن البنوك كما يرى البعض:
· لا تكترث لأي إسراف أو إهدار للمال المقترض.. طالما كانت البنوك قادرة على تحصيلها.
مقرحات للإصلاح.
· عليه ومن أجل حماية هؤلاء الناس، لا بد من قيام بما يلي:
· إنشاء هيئة تقويم ائتماني مركزية للأفراد،
· ويتولى البنك المركزي مهمة الإشراف عليها أو مراقبتها تكون مهمتها تقويم الأفراد ائتمانيا،
· ووضع ضوابط مشددة للحصول على هذه القروض، بحيث لايسمح بالحصول عليها ( إلا لمستحقيها ). ولمن هم في وضع، قادر على إستثمارها بشكل رشيد حتى يخدم المقترض بها نفسة أولاً ويكون ضامنا لعودة الأموال المقترضة الى البنوك المانحة ثانياً .
· ناهيك عما يدًره الإستثمار الشخصي من فوائد للمجتمع.
· وما تقدمه هذه العملية من تجنب الناس مخاطر الإفلاس والسجون.
· ومن تخفيف الضغط عن الجهات العامة وخصوصاُ ( الأمنية والقضائية ) التي هي: طرفا أساسياً في العملية التي نحن بصددها، لتتوجه جهودها الى مجالات أخرى تخدم المجتمع بشكل أفضل.
· وأن تعمل الهيئة المقترحة على حفظ سجل ائتماني للمقترضين لديها،
· ونرىكما يرى بعض الخبراء ، من أن وجود الهيئة المقترحة، هو عمل :
· لا يشجع الأفراد على الاقتراض من أي جهة كانت. لأنها سوف تأخذ بالحسبان تأثير ذلك على وضع المقترضين وعلى سجلهم الائتماني الحالي والمستقبلي. وعليه فان موافقتها سوف لن بكون تلقائية مما يبعد المقترضين عن الإنعكاسات ذات المخاطر النفسية والاجتماعية والاقتصادية.
القروض الشخصية تختلف عما سواها من القروض:
· والسبب في ذلك هو:
· إن القروض الشخصية ليس لها ضمانات مادية كما هو الحال في القرض العقاري مثلاً حيث (المحل هو الضامن للقرض).
· وبالتالي فإن القرض الثاني (العقاري) لايدفع صاحبه الى السجن بقدر القرض الأول الذي يكون صاحبه عاجز عن تقديم شيء مادي يسدد به القرض ، مما تعتبره القوانين مخالفاً ويستحق عقوبة السجن.
ما المطلوب للسير عليه لتجنب تلك المسيرة؟
· النصيحة لكل شاب أو شابة في هذا البلد هي:
· أن لايقدم أياً منهم على مثل هذا العمل (الأقتراض)،
· لأنه عمل خطير.. له أنعكاسات سلبية(آنية ومستقبلية) على الشخص المقترض نفسه بالدرجة الأساس، وعلى عائلته ومجتمعه.
· صحيح أن طموح الشباب مشروع في العمل والربح ولكن:
· يجب أن تكون كل خطواتهم مدروسة غير متسرعة ولا طائشة.
· فعليهم أن لا يندفعوا وراء السراب.. فالبورصات تحتوي على مخاطر كبيرة،
· (وعلى المرء أن لا يضع كل البيض في سلة واحدة ).
· وليس العيب من أن نستشير من لهم الخبرة في الحياة والعمل.
· ولكن العيب... في أن نخطأ ونصر على الخطأ.
· إن الجميع معرض للحاجة المادية ،
· لكن الحل لا يكمن في أن نعرض أنفسنا لمخاطر السجن.
· إذن الحل في مكان آخر بكل تأكيد.
· وخير الحلول هو في الجد والإجتهاد.
· وفرص العيش متوفرة في هذا البلد وبشكل يشمل الجميع.
· وعلى الجميع أن يسعى لعمل يوفر عليه اللجوء لمخاطر القروض.
· وأن نعي مخاطر الإنغماس في مسايرة المجتمع المفرطة في المظاهر المكلفة.
· وأن نركن الى القناعة بما آتانا الله جل وأن نسعى في مناكبها ، والله المعين.
دور المجتمع في الحل المناسب.
· يمكن للمجتمع تلافي ذلك من خلال عملية تحريك الأعلام والتوعية بمخاطر الاقتراض، وهذه الخطوة تعد من الأمور التي يمكن القيام بها.
· والمعروف أن الإعلام وسيلة ضغط كبيرة على أصحاب القرار لإجبارهم على تبني موقفاً من العملية.
· وعلية لابد من الدعوة للتحريك الإعلامي وعدم التستر على المعاناة التي يلاقيها المتضررون. وبالمناسبة نود الأشارة الى أن ماتقوم به بعض:
· الجمعيات الخيرية (من تسوية لديون بعض المتضررين) وهي مشكوره على عملها الخيري. وبعض الجهات الحكومية (بتسديد ديون بعض المقترضين) من أن هذا العمل يجب أن:
· لا يكون بديلاً لحل شامل ودائم (عن طريق وضع التشريعات المنظمة لعمل البنوك) إذ بدونها .. فإن الحلول مهما كانت، ستواجه مصاعب أكبر في المستقبل وستجد هذة الجمعيات والجهات الحكومية نفسها يوماً ما عاجزة عن تقديم المساعدة الازمة: (لاعداد هائلة من الناس ولمبالغ طائلة واجبة التسديد).
رفع شعار (الاقتراض من أجل الاستثمار لا للتبذير).
· ان القروض المصرفية تعد بلا شك احدى اهم الأدوات الاقتصادية والسبل الاستثمارية لتمويل عمليات التنمية الاقتصادية وتحريك القوى السوقية،
· وفي هذا الخصوص تلعب البنوك الدور التنظيمي الأساسي فيه حيث تستقطب الودائع وتجمع المدخرات وتقدم التسهيلات وتضخ الأموال لتحافظ على حيوية الاسواق
· وعلى رأس هذه الإجراءات هو منح القروض الشخصية الإستثمارية،
· وفق نظم وضوابط محددة وبعد دراسات إقتصادية لكل حالة على حدة،
· وليس هذا وحسب بل أن البنوك بامكانها أن تعيد التوازن الملائم :
· بين المدخرات المتاحة والاستثمارات المطلوبة.


الخميس، 5 نوفمبر 2009

المسئولية الجنائية لرؤساء الدول .. كمسببي حرب



الدكتور أحمد الجُبير
أستاذ مشارك/ كلية القانون/ جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا.
Ahmad.aljobair@hotmail.com

المسئولية الجنائية لرؤساء الدول
كمتسببي حرب
التاريخ البشري حافل بالشواهد على الحروب التي عصفت بالبشرية على مر العصور. وقد تنبه الأنسان مؤخراً بأن عليه الحد من هذه الظاهرة. وعليه فقد تبنت الدول الحديثة مباديء محاسبة مسببي الحروب والمخالفين لكل القيم والأعراف والقوانين الدولية، كما ومعاقبة القائمين على كل الإنتهاكات ضد البشرية وقوانينها السارية. وقد شهد العالم مؤخراً عدة محاكمات ويبدو إن الرغبة موجودة في إنشاء المزيد.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل يؤدي اللًجوء الى القوة المسلحة خارج الحالات التي تنص عليها لوئح الامم المتحدة، الى المحاكمة امام العدالة الدولية؟ وأي المحاكم الدولية التي يمكنها النظر في جرائم الحرب والاعتداءات على حقوق الانسان المرتكبة في حال حصولها؟
إن المحاكم الدولية التي اختصت بجرائم الحروب والتي تم تشكيلها منذ الحرب العالمية الثانية حتى الوقت الحاضر هي التالية:
* المحكمة العسكرية الدولية في نورمبرج عام 1945.
* المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة عام 1993،
* والمحكمة الدولية لرواندا عام 1994.
* المحكمة الجنائية الدولية 2003 إضافة الى وجود:
* محكمة العدل الدولية والتي أنشئت عام 1946.
لابد من التوضيح أولاً بأن "النظام القانوني الدولي لا يزال مبنيا على مبدأ السيادة ولا تزال الدول ومسؤولوها يحتفظون بوسائل حماية فعًالة. فمحكمة الجزاء الدولية لا يمكنها التدخل مثلا الا اذا كانت الدولة التي وقعت فيها الجريمة والتي ينتمي اليها المتهم قد صًدقت على قانون هذه المحكمة".(1)

فهل هذا يعني أن الحكام ودولهم بعيدين عن أي عقاب قانوني بسبب هذه الأنواع من الحماية؟ والجواب هو في الحقيقة : كلا، وذلك بسبب التطورات القانونية التي اتسعت مهامها ومجالاتها خصوصاً في المجال الجزائي. فإنشاء محكمة الجزاء الدولية، وحرص العديد من الدول للتوقيع عليها، يعكس الرغبة العالمية لتطبيقها ومحاسبة الذين يستحقون الحساب على جرائمهم ضد الإنسانية بجميع أشكالها. ورغم عدم توقيع بعض البلدان على الإتفاقيه، إلا إن ذلك لايمنع من تعاونها في حال تسليم مجرمين للعداله وما الى ذلك. ومن التمعن بالخطوات التي سارت عليها عملية إنشاء محكمة الجزاء الدولية، نرى الإقرار والقبول الطوعي للبلدان الموقعة للالتزام بالقواعد الدولية المشتركة، وبالتالي لتخطي الجدل الحاصل على موضوع التمسك بموضوع السيادة الوطنية، والذي يفرز ظاهرة التحفظ وعدم تسليم من يستحق العقاب، وبالتالي لتجاوز القوانين والاستهانة بما يسببه هؤلاء من جرائم.
ومن المظاهر العملية للمحاسبة القانونية لأشخاص في مراكز عليا في السلطة أو مسئولين سياسيين، هو ما تقدم به عام 1998، قاضيان إسبانيان. إذ قًدما مذكرة لتوقيف الرئيس الشيلي السابق الجنرال اوغوستو بينوشيه، وعضو مجلس الشيوخ الشيلي في حينها، رغم تمتعه بالحصانة الدبلوماسية. " وقد تم توقيفه من قبل الشرطة الإنجليزية بناءاً على مذكرة التوقيف الدولية التي أصدرها القاضيان والتي تحتوي على إتهامات جرائم ضد البشرية، أعمال إرهابية، وعمليات التعذيب لمواطنين من ذوي الجنسية الأسبانية.
ورغم إن محاكمة الدكتاتور بينوشيه لم تتم، إلا إن ذلك عكس الرغبه التي تم تثبيتها في لوائح المحكمة الجنائية الدولية. إذ أنه واستثناءاً لقواعد الحصانة الديبلوماسية يمكن ملاحقة رؤساء الدول والحكومات.
و"خلافا لمحكمة العدل الدولية التابعة للامم المتحدة والتي انشئت عام 1946 والتي تنظر في الخلافات بين الدول فقط، فان محكمة الجزاء الدولية تحاكم الافراد على طريقة المحاكم المتخصصة مثل المحكمة من اجل يوغوسلافيا السابقة
ورواندا. ويحدد نطاق صلاحياتها بجرائم الابادة والجرائم ضد الانسانية وجرائم الحرب والاعتداء الواقعة في اي مكان ابتداء من سريان صلاحياتها في الاول من تموز/يوليو 2002".(2)
ورغم ذلك فقد إمتنعت بعض الدول من التوقيع على إتفاقية إنشاء محكمة الجزاء الدولية، منها الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين وتركيا وإسرائيل والعراق.

وتختلف المحكمة الجزاء الدولية عما سبقها من محاكم دولية كونها تشكلت وفق اتفاقية دولية، أما ما سبقها من محاكم فقد تشكلت وفق قرارات من الأمم المتحدة. وتعد محكمة الجزاء الدولية كونها هيئة دولية دائمة أنشئت بمقتضى معاهدة دولية (كما أشرنا)، لغرض التحقيق ومحاكمة الأشخاص الذين يرتكبون الجرائم الخطيرة في المجتمع الدولي،. بينما إنحصرت مهام المحاكم الأخرى بمهام محددة، (تنتهي بانتهاء مهمتها).
"من جهتها محكمة العدل الدولية، يمكنها ان تنظر في مشروعية لجوء دولة من الدول الى استخدام القوة واحترامها لقوانين الحرب. وهي تستعد الآن مثلا للنظر في شكاوى تقدمت بها يوغوسلافيا ضد التدخل الدولي في كوسوفو عام 1999 وهو تدخل جرى ايضا من دون موافقة مجلس الامن الدولي. بيد ان محكمة العدل الدولية لا يمكنها التدخل الا بموافقة الدول التي تقر بصلاحياتها الدائمة ومن دون شروط، للنظر في كل النزاعات او الموافقة على صلاحياتها للنظر في قضية محددة". (3)
من المعلوم إن بريطانيا هي الدولة الوحيدة من الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي التي تقر بالصلاحية الدائمة لمحكمة العدل الدولية، إذ أن الولايات المتحدة الأمريكية وافقت على صلاحيات المحكمة حين إنشاءها عام 1946، ولكنها تراجعت والغت موافقتها بعدما أدانتها تلك المحكمة في قضية الدعوى التي تقدمت بها نيكاراكوا.
والمعروف أن محكمة العدل الدوليه لايمكنها التدخل الإ حينما يكون الطرفان يعترفان بصلاحيات المحكمة كما أشرنا، ورغم ذلك فإن المحكمة لا تملك وسائل لتطبيق قراراتها، كما حصل في قضية نيكاراكوا مع الولايات المتحدة الأمريكية. فلو أن العراق (مثلا) تقدم بشكوى ضد رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير بخصوص عدم شرعية الحرب على العراق وأقرت المحكمة بذلك، فليس للمحكمة من وسيله لتطبيق قرار الحكم سوى اللجؤء الى مجلس الأمن والذي بدوره وعن طريق حق الفيتو( الرفض) يمكنه تعطيل تنفيذ القرار، والمحصلة النهائية هي الاستنتاج بعدم قدرة محكمة العدل الدولية على الحسم القضائي في موضوع مشروعية أو عدم مشروعية الدول في إستخدام القوة واحترامها لقوانين الحرب رغم إمكانيتها في ذلك.
وفيما لو نظرنا للجانب الآخر، أي في موضوع إمكانية تحميل الرؤساء المسؤولية الجنائية كمسببي حرب، فالإمكانية الأكثر تطبيقاً هي صعوبة تحقيق ذلك في الواقع العملي، خصوصاً حين يكون الرئيس على قمة هرم السلطة لبلده، والدليل على ذلك هو عدم حصول إدانة عملية حصلت في التاريخ لرئيس دولة أثناء تأديته لواجبه كرأس للسلطة التنفيذية في بلده، أما الحالات التي حصلت منذ الحرب العالمية الثانية حتى الآن فلا تتعدى كونها محاكمات لرؤساء ومسولين تمت الأطاحه بهم وإزالتهم عن هرمية السلطة ( ويشار في هذا الصدد ما للتأثير السياسي في تشكيل وقرارات المحاكم المذكورة من تأثير). ويرجع الفضل في ذلك بكل تأكيد لموضوع السيادة الوطنية الذي يتحصن خلفه الرؤساء وكبار المسؤلين). ورغم أن هذا العامل سيء من وجهة نظر كونه يمنع محاسبة الرؤساء والمسؤولين عن الحروب غير القانونية أو ذات الصبغة غير المشروعة للقيام بها وما يرافقها من عدم إحترام للحقوق الإنسانية وما شابه، إلا أن موضوع السيادة الوطنية ضروري الوجود لحالات عدم الإخلال بالعلاقات الدولية والتي قد تقود الى سوء الفهم والتوتر الدولي، وهو مايدفعنا للحديث عن مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية فيما بين الدول. وبالتالي موضوع الحصانات الدبلوماسية التي هي عملية مكمله لعدم تعطيل التواصل بين الدول.
ولهذه الأسباب تعثرت المطالبات بمحاكمة الرئيس الليبي معمر القذافي في فرنسا على خلفية سقوط الطائرة الفرنسية، كما ومحاكمة رئيس الوزراء الإسرائيلي آريل شارون على خلفية مجازر صبرا وشاتيلا، وكذلك المطالبة بمحاكمة الرئيس بوش رئيس الولايات المتحدة الأمريكية والسيد توني بلير رئيس الوزراء البريطاني السابق على خلفية الحرب على العراق ومخالفتها الشرعية الدولية.
وعليه فليس هناك من إمكانية، في أن تتخلى الدول عن مبدأ السيادة الوطنية لصالح عدالة ما فوق وطنية. "وتأخذ انظمة محكمة الجزاء الدولية في الاعتبار هذا الواقع اذ تنص على ضرورة ان يعكس تشكيل المحكمة تنوع الانظمة القانونية من جهة وعدم تدخل المحكمة الا في حال قصور القضاء الوطني من جهة اخرى. ويخشى ان يؤدي هذا البند الاخير الى تمييز بحق البلدان الفقيرة حيث النظم القضائية نادرا ما تتمكن من تأمين سير العدالة بصورة مرضية. ذلك انه لا يفترض بالعدالة الدولية ان تتحول اداة اخرى في يد الدول الكبرى، ويمكننا ان نتخيل كيف سيقدم الاميركيون والبريطانيون على محاكمة المسؤولين العراقيين تماما كما تقوم المجموعة الدولية بمحاكمة مجرمي الحرب من الصرب من دون التعرض بالطبع لمن ارتكبوا هذه الجرائم في صفوف حلف الناتو".(4)
ويمكن الإقرار بحدوث محاكمات لرؤساء دول في قمة السلطه إذا ما دفعت بذلك، دول ذات تأثير كبير في المجتمع الدولي و"لأغراض سياسيه طبعاً، "، وهو ما لم يشكل القاعدة العامه لمحاكمات ذات طبيعة انسيابية من قبل المحاكم الجنائية الدولية. وبغيره فإنه من المستبعد أن تتم المسائلة القانونية للرؤساء على المدى المنظور على الأقل، ولكنه يبقى حلماً يراود البشرية في تحقيقه.
والمثال الذي يمكن أن نقدمه هنا هو:
لو أن الدول الست الأعضاء في مجلس الأمن، اتفقت على إنشاء محكمة لمحاكمة المتسببين في مقتل رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري (والتي تم إنشائها وفق الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة)،
وتم تثبيت صفة الجريمة ضد الإنسانية ضد المتسببين والمنفذين.
لأصبح لزاماً استدعاء الرؤساء ذوي العلاقه بالموضوع لمحاكمتهم أو توقيفهم،
في حين أن: « النص الحالي لمسودة المحكمة أولاً، وإثر التدخل الروسي الناجح لنزع صفة الجريمة ضد الإنسانية عن اغتيال الحريري ثانياً،
أُبعدت فكرة محاكمة الرؤساء (المعنيين بالموضوع).
أما استدعاؤهم أو الاستماع اليهم فهذا أمر لا يزال غامضا». (5)


المراجع
1. Anne-Cecile ROBERT:” Dans le chaos de l’après-guerre, Justice internationale, politique et droit. » Le monde diplomatique. Édition imprimée — mai 2003 — Page 25.
2. Anne-Cecile ROBERT:” Dans le chaos de l’après-guerre, Justice internationale, politique et droit. » Le monde diplomatique. Édition imprimée — mai 2003 — Page 25.
3. Anne-Cecile ROBERT:” Dans le chaos de l’après-guerre, Justice internationale, politique et droit. » Le monde diplomatique. Édition imprimée — mai 2003 — Page 25.
نفس المرجع: ص.25.
بشارة منسى: جريدة الشرق الأوسط .العدد 10223 في 24.نوفمبر 2006.

الأربعاء، 29 يوليو 2009

ولنا في إسلامنا رأي



الدكتور أحمد الجُبير
استاذ مشارك. كلية القانون. جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا
Ahmad.aljobair@hotmail.com
ولنا في إسلامنا رأي

رغمَ كلَ مايقال، فإن للإسلام جوانبهَُ المشرقة، فعندما كان المسلمونَ يغزون شعباً من الشعوب، فإنهم لايجبرون قط ْ رعاياهُُم الجُددَ على إعتناق إسلامهم. وقد أعطى نبيُ الإسلام محمداً (ص) مثالاً رائعاً في الحفاظ على حرمة الفرد وقدسية مشاعره وضميرَهُ الإنساني، فحين فُتحتْ مكة دونَ سفك دماء، لم يضغط المسلمون على المكيين بإعتناق دينهم الجديد، أضف الى ذلك، أن الإسلام أوجب أتباعه إحترام "أهل الكتاب" فسمح لليهود والمسيحيين داخل الدولة الإسلامية بممارسة حريتهم الدينية كاملةً، كما ولم يُحرم الزرادشتيين أو الهندوس أو البوذيين من ممارسة حقوقهم الدينية أيضاً.
فهل هذا كان أيديولوجية دينية محضة؟ أم إنه كان توجها سياسيا ذا تطلعات إنسانية دقيقة لمشاعر الناس حينما تفتح بلدانهم؟. في حقيقة الأمر أنه مزيج من التوجهين معاً. فحين تغزوا جيوش المسلمين بلدا،ً يترك قادة الجيش خلفهم أعداداً قليلة من المسلمين لغرض فرض الأمن وتسيير شؤون الحياة. هذه القلة لم يكن بإمكانها أن تفرض دينها على أغلبية السكان فرضاً، إذ سيكون ذلك ضربا من الجنون لو إنها أرادت ذلك. وهذا المبدأ ( عدم فرض الدين على الناس فرضاً ) في الحقيقة عكس جوانب مهمة في حياة العرب منها:
1. إن العربَ كانوا قد إعتادوا التعايشَ ( فهو إذن دين تعايش مع الآخرين ) جنبا الى جنب مع ديانات أخرى كانت في أصقاعهم.
2. إن العربَ تعًلموا درساً ممن خلفهم من البيزنطينيون والفرس، الذين فرضوا دياناتهم فرضاً، فكانت نتائجهم السياسيه مدمره لهم ولرعاياهم ( فكان هذا التوجه السياسي قاعدة لسياسة العرب المبنية على عدم فرض دينهم على الشعوب بالقوة ).
وهذا ماميًز الأسلام عمن سبقه. وأوجد قبولاً واسعاً لم يحظ به الذين سبقوه في هذه الأصقاع. فإ ندفعتْ هذه الشعوب وبمشيئتها المحضة الى إعتناق الدين الجديد، فلم، دون ضغط أو إكراه. ولتأكيد هذا القول فأن خلفاء المسلمين الأوائل منعوا ( ولفترة قليلة من الزمن ) الناس من إعتناق الإسلام، حتى لاتقل موارد الدولة من ضريبة "الجزية"، وهو ماكان يشكل خطورة على الإقتصاد الإسلامي في وقته، وبالتالي على مستوى الأداء.
ليس هذا فحسب بل أن للإسلام جاذبيته الخاصة التي ميزته عن غيره من الديانات، فهو صاحب التوحيد الأخلاقي قياساً بعصره، وهو الدين التقدميً للشعوب الأكثر تقدماً، رغم أن منبعه كان من المجتمعات الأكثر تخلفاً في وقتها. ولهذا فإن صورة الإسلام راقت لشعوب الشرق ومناطق عدة من أفريقيا، وبهذه الصورة تميز الإسلام كثيراً عن غيره من الديانات.
وقد عمًق الإسلام وضوح الصورة فيما يتعلق بالفهم الذي يمكن أن يدركه الإنسان البسيط في توضيح العقائد. فنظرة الإسلام للسيد المسيح بن مريم عليه السلام كنبيً عظيم وأنه بشر مولود بمعجزة من الخالق العظيم، خلقت ولازالت عمقاً وإدراكاً قرًب الكثير من حاملي الديانة المسيحية اليه، وبها فضًل أصحاب الديانة اليهودية الأسلام عما سواه، وتشير كتب التاريخ، الى أن الكثير من اليهود الذين لم يعتنقوا الإسلام، حاربوا الى جانب الجيوش الإسلامية في ذلك الزمان، لإعتقادهم بعالمية هذه الديانة أولاً، ولرؤيتهم بقربها عن ديانتهم في بعض رؤآها ثانيا.
ورغم نزعة البعض في عالم اليوم الى وصف الإسلام والمسلين بأضداد التقدم والإنفتاح، ورغم وجود من يعين هؤلاء، ممن يدًعون بالعلم بالدين من المسلمين، والمتطرفون من الجهلة بحقيقة الإسلام وجوهره، إلا أن الخلفية الحقيقية برأينا لهذا وذاك، هي أن مسلمي القرن السابع الميلادي، كانوا من التواقين الى التعًلم وإستيعاب العلوم والفلسفات من شعوب المجتمعات التي إحتلوها، ومن علوم الذين سبقوهم من الحضارات القديمة ( وهذا ما ساعدهم على التقدم بسهولة ويسر )، وقد ساعدهم في ذلك، أبناء الشعوب التي إحلتوها والذين إعتنقوا الإسلام.
وليس هذا فحسب بل أن المعتنقين الجدد أرادوا دمج عادات وتقاليد وثقافات بلدانهم مع تقاليد وعادات القادم الجديد "العربي". وقد نتج عن هذا المزج بروز أجمل ثقافة في ذلك الزمان، فكانت فريدة ومتميزة في فنها وعلمها وعمارتها وجامعاتها وثقافتها وفلسفتها. فالإسلام أظهر أنه دين التقدم والحضارة والإنفتاح والتعامل مع الآخر "بروح بعيدة عما يمثله أضداد الدين فيما مضى أو في عالم اليوم". ورغم كل أحداث القدر فمعتنقوا الإسلام اليوم لاتغيب من فوق رؤسهم شمس، ولهم من حق العيش كما للآخرين ( تحت مظلة القانون والعدل والحرية والطمأنينة والإحترام ). بعيدا عن لغات الترهيب والتنكيل والتشويه والقتل بشقية لكل بريء وما شابه، فهذه لغات متطابقة في نتائجها، رغم إختلاف وسائلها ومبرراتها، ولو دقق بها أصحابها لوجدوا أنهم آثمون بما يفعلون.

الخميس، 22 يناير 2009

الساقطون غاضبون على لفظ الجلالة وعلى دين مجتمعاتهم.



الدكتور أحمد الجُبير
استاذ مشارك / كلية القانون
جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا

إن غضب النفس على النفس ، هو الذي يدفع الفرد الى عدم التمييز (نتيجة لأسباب وعوامل مختلفة ) بين عدم الإحترام للذات وبين تجريح مشاعر الناس بلا مقابل . وإن من أسباب العهر عند النساء هو :
أنه يمثل ردة فعل لتربية قاسية أو سيئة من لدن أولياء الأمور ، أو للكسب السريع على حساب كل القيم والأخلاق العائلية والمجتمعية.
وكلنا يعلم ، بأن من يسقط في الهاوية ، لا سبيل الى إنقاذه إلا بمعجزة، والساقط بهذا المعنى لايفكر إلا بقصر نظر، ذلك بأن نهايته ليست ببعيدة، وتمثل تلك اللحظة ( مدى قرب إرتطامه بالأرض ) ، نهاية طبيعته الأنسانية.
فالساقطون هم أقرب للفراغ منهم للإنتماء لأي جنس بشري يحمل مشاعر إنسانية وعقائد ربانية، فالفرد الذي ( يطعن بكل الخوف الذي لديه ) قيم ودلالات ومشاعر بني جنسه يكون فاقد الأحساس بأهداف البشر النبيلة ، ولا يحمل في تفكيره الضيق سوى رؤى لاتبعد عن خياله بأنه كاتب يثير إهتمام الآخرين ، وبكل تأكيد أنه لايعلم من أن الذين يساهمون في الثناء عليه وعلى ما يكتب، هم ذات الأفراد الذين يملكون نفس القدر من الكراهية لذواتهم ولمجتمعاتهم .
والجميع يعلم بأن المجتمعات بمختلف أشكالها ، تضم في ثناياها مثل هذه الفئآت التي لاتغني عن جوع ولاتمتل أي رمزية لأبنائها . هذه الفئات العقيمة في إنسانيتها، عديمة الإحساس بمشاعر الناس ، كما إنها عاجزة عن أن تؤدي أي دور يخدم الأنسان مهما كان وفي أي مكان أو زمان كان ،
وهذا يعني : إن مثل هؤلاء ( الساقطون ) ومهما تفننوا في إيذاء الآخر فإن إيذائهم لايتعدى كونه آلام الذات تصاغ بطريقة إيلام الآخر .
( الدين النصيحة ) ورغم أن الساقطون لايؤمنون بالنصيحة ، إلا إنني أدعوهم ( كون إننا نرتبط برباط الإنسانية ) ،الى مراجعة المختصون ( الأطباء النفسانيون ) لمعالجة النقص في أنفسهم ، إذ ليس من العيب ، أن تتخلص العاهرة من عهرها ، وأن تدخل عالم طمأنينة النفس البشرية التي جبلت عليها طبائع البشر. وليكن الإنسان إنساناً دون شذوذ أو خروج ، ( أعني الخروج عن الرأي ليس بالضرورة بالرأي الصحيح ، ولكن بما يمكن أن يكون عقلانياً ) ، حينها يكون الإنسان قادراً على نشر إسمه الصريح وصورتة أمام الملأ دون خوف أو تردد ،
وندعوا هذه الفئات التي تعيش بالظلام والتيه ، أن تعيش على حب الآخر، والتقدير للذات البشرية التي تميزت عما سواها من الكائنات على هذه الأرض بالعقل والعلم والمعرفة، وأن تقدم بما ينفع النفس والناس.
وليعلم الساقطون أن الهدم أسهل بكثير من البناء ،
فهل أن الهدم هو أسمى أهداف الساقطون؟.


السبت، 18 أكتوبر 2008

الممكن والمستحيل في بناء الدولة العراقية الموًحدة..



الممكن والمستحيل

في بناء الدولة العراقية المُوًحدة

الدكتور أحمد الجُبير

أستاذ مشارك /كلية القانون

جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا

Ahmad.aljobair@hotmail.com

"أشارت دراسة أجراها الصندوق من أجل السلام بالتعاون مع مجلة الشؤون الخارجية الأميركية، إلى أن العراق أصبح ثاني أفشل دولة في العالم بعد السودان، وأن أوضاعه أسوأ من الصومال"، وفي ذات الوقت إستمر القاده الأمريكيون وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي وقادته العسكريون على التأكيد من أن زيادة القوات الأمريكية والتي تمت مؤخراً لمساندة الخطة الأمنية التي إنطلقت مؤخراً والتي تستهدف تأمين الأمن في بغداد، وبالتالي فأن هذه القوات مخصصة لمساعدة القادة السياسين في العراق ولتحقيق ماتطمح اليه القيادة الأمريكية في التسوية السياسية ( المصالحة الوطنية ) لتضم الأطراف ذات العلاقة في الصراع الدائر حاليا حول السلطة ومايتبعها من مصالح.

ولكن "هذه المعادلة (المصالحة الوطنية) لا يمكن ان تتم في اطار نظام المحاصصة الطائفية والعرقية المطًبق في العراق الآن. لان هذا النظام يقسم الناس على اساس انتماءاتهم العرقية والطائفية وعلى اساس ولاءاتهم الحزبية والسياسية والعشائرية وغيرها".

وقد برهنت السنوات الماضية على أن نظام المحاصصة غير قادر على إصلاح قدرة الحكومة في العطاء بصورة عامة، وغير قادر على بناء دولة "حديثة بصورة خاصة"، وبالتالي فإن هذا النظام أظهر عجز الدولة الواضح في البناء والتقدم. وقد إتهمت أطراف مختلفة الأداء الحكومي الذي يكبله نظام المحاصصة بسوء الإدارة، فقد "انتقد المرشد الروحي لحزب الفضيلة الإسلامي الشيخ محمد اليعقوبي موقف الحكومة إذ وصف أعضاء حكومة المالكي بالعجزة والمشلولين، متهما إياهم بإنتهاك حقوق الانسان، والتغاضي عن معاناة العراقيين، والفشل في التصدي للملفات الخطرة على الصعيدين ألامني والسياسي". وفي السياق ذاته فإن الإدارة الأمريكية لم تتوانى عن كيل الإتهامات لحكومة المالكي بالتقصير رغم معرفتها بما يحصل بالداخل الحكومي والذي نسجتة هي بنفسها وبتلك الحشاشة.

كما أكدت تقارير صحيفة في الواشنطن بوست الأمريكيه:" بإن هناك قوتين تقفان خلف هذا التدهور، الأولى هي الانقسامات الداخلية التي أدت إلى تغلغل الميليشيات والجماعات المسلحة بشكل لم تعد لا القوات الأميركية ولا العراقية قادرة على السيطرة عليه، والثاني هو تدخل القوى الخارجية في الشأن العراقي الداخلي". وهوالوضع الذي يساعد على عملية تقسيم العراق. وبنفس الإتجاه نقلت صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية "عن بولين بيكر رئيسة صندوق السلام قولها إن التقرير (المذكور أعلاه) يُبيًن الغرق السريع للعراق ووصوله إلى نقطة اللاعودة، كما أشارت الى أن الصندوق أوصى بناء على دراسات دورية تُجرى كل ستة أشهر منذ عام 2003، ضرورة أن تواجه الإدارة الأميركية الحقيقة التي تقول، إن الخيارات الوحيدة الباقية أمامها هي كيف وبأي درجة من العنف سوف ينقسم العراق".

هذه الصوره هي التعديل الأكثر تقارباً من تقرير بيكر– هاملتون الذي وصف الوضع في العراق بأنه خطير وآخذ في التفاقم وأكّـد أنه لا توجد وصفَـة سحريّـة لحلّ مُـشكلات العراق، "وأنه بينما لا يُـمكن لأحد أن يضمَـن لأي نهج للتحرّك في العراق حاليا أن ينجح في وقف الاقتتال الطائفي أو العُـنف المتصاعد أو الانزِلاق إلى هاوية الفوضى، فإن النّـهج الحالي غير مُـجدٍ، فيما تتقلّـص قُـدرة الولايات المتحدة على التأثير في الأحداث". فإذا أخذنا بالأعتبار التصًورات التي تطرحها التقارير الصحفية عن مسؤولين أمريكان وغيرهم والتي توحي بقرب إنسحاب القوات الأمريكية في الربيع المقبل عام 2008، ( إنظر عزيزي القاريء آخر تقرير في آي بي أسوسيتيد ﭙريس للكاتب بولين جَلينيك بتاريخ 23.06.2007.) ولو جمعنا أطراف المعادلة بذوي العلاقة، نتقرب من وضوح الصورة، والتي تشير الى عدم القدرة المستمرة للحكومة على تأمين الأمن والخدمات وغيرها من الأمور، رغم الدعم العسكري الأمريكي الأخير( إذ تسيطر الدولة على40% فقط من بغداد في حين أن الفئآت المسلحة المختلفة تسيطر على 60% من مناطق العاصمة المختلفة حسب ما أوردتة بعض التقارير الصحفية ناهيك عن الأداء غير السليم لمرافق الدولة المختلفة والمبنية على أساس الولاءات الحزبية والطائفية)، مما يوحي بالتطبيق الأمريكي العملي لتقرير بيكرـ هاملتون رغم رفض الأدارة الأمريكية المعروف للتقرير المذكور، والأخذ بما تدعوا اليه التقارير الأمريكية الداعية الى البحث عن درجة العنف التي يترتب عليها تقسيم العراق، ونلخص القول "بأن ماهو آتي لايدعوا الى بناء الدولة العراقية الموحدة بقدر ماهو دعوة للخروج وفق ما تدعوا اليه حسابات الربح والخسارة للقيادة الأمريكية وحلفائها".

أما الشق الثاني للمعادلة فيتمثل بتحقيق التسوية السياسية والمبني على أساس التعاون والعمل المشترك من اجل اقامة دولة مدنية ديمقراطية حديثة. وهذا يتطلب من الجميع الأمور التالية : التخلي عن نظام المحاصصةً، وتعديل الدستور، وتفكيك التكتلات الطائفية والعرقية من جانب، ، أما من الجانب الثاني، فلابد من إعتماد معايير عامة لبناء الدولة الحديثة،" والتي تم تجاهل معظمها منذ بداية الإحتلال، بسبب اعتماد نظام المحاصصة والذي زرعه الأخير قصد السيطرة الدائمة "، ومن هذه المعايير بطبيعة الحال معيار المواطنة، والكفاءة عند إشغال المواقع القيادية في الدولة ، وسيادة حكم القانون، والمؤسسات الدستورية، والشفافية والنزاهة وما الى ذلك من المعايير. غير أن هذا الحل لا يتوافق والاطراف الفاعلة في العراق اليوم. كما ويصعب تطبيقه على تنظيم القاعدة والجماعات المتعاونة معها، "لأن الخلاف مع هذا التنظيم والجماعات المرتبطة به ليس سياسيا وانما هو خلاف إستراتيجي . فهذه المجاميع تخوض معركة بقاء او موت مع القوات الاميركية والحكومية، فهذه الجماعات تصف الأخيرة بانها قوات عميلة ومرتدة. وبذا فلا أمل ولامعنى في التوصل الى تسوية أو مصالحة سياسية مع هذه المجاميع، وبالتالي فان الحل الوحيد لهذه المشكلة هو الحل الامني، أي مواصلة خوض المعركة العسكرية معهم، حتى تتم تصفية وجودهم العسكري وكسر إرادتهم السياسية. "وقد تجلى ذلك بما تقوم به القوات الأمريكية والعراقية اليوم من هجوم واسع النطاق على هذه المجاميع في محافظة ديالى".

أما الشوكة الأخرى في الطريق السياسي المنشود، فهي المليشيات المختلفة الألوان والأطياف، والتي أصبح نزع سلاحها والقضاء عليها أمراً في غاية الصعوبة في الوقت الحاضر على الأقل. عليه فإن أرضية المصالحة الوطنية ستكون مقتصرةً في هذه الحالة، على الأحزاب المشاركة في العملية السياسية الحالية، والتي بها وحدها لايمكن أن تتكًون قاعدة صلبة لبناء دولة حديثة مالم تضع بين جناحيها العناصر المناوئة لسلطتها الحالية، وهو أمر ليس بالهين التعامل معة، "بسبب سعي هذه الأحزاب الى النفوذ والهيمنة اكثر من حرصها على التسوية السياسية". أما في حال تبني جميع هذه الأطراف والأطراف التي ستشارك معها بفكرة التخلي عن هذه الممارسات والعمل على:

* القبول بشروط مباديء التعايش وفق نظرة إستراتيجية،

* التخلي عن ضيق الأفق ضمن الدوائر الصغيرة،

* الإبتعاد عن التخوف من الحلول العقلانيه،

* والألتزام بالأساسيات التي تقام عليها الدول،

قد تساهم جمع هذه الإطر، في خلق بصيص من الأمل في قيام الدولة العراقية الموحدة، وهو أمل ينشده الكثيرمن أبناء هذا الوطن المعًذب وتقع مسؤولية تنفيذه على القادرين على التنفيذ. وبعكسه فالأنتصار سيكون حليف الطرف الآخر، مما سيخلق مأساة جديدة قد يضيفها التاريخ لمآسي أبناء هذا الوطن المتعددة.


ما الذي يخيف العرب من حوار الشمال والجنوب المتوسطي


ما الذي يخيف العرب

من حوار الشمال والجنوب المتوسطي

الدكتور أحمد الجُبير

استاذ مشارك. كلية القانون . شبكة جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا

Ahmad.aljobair@hotmail.com


يرى البعض أن الخطوة الأوربية للتقارب مع البلدان العربية في شمال أفريقيا فكرة حديثة العهد ، القصد منها هو المساعدة على تسهيل تعامل إسرائيل مع البلدان المذكورة ، مقابل حصول بلدان شمال أفريقيا المذكورة على تسهيلات وإتفاقات تعاون مثمر بين الشمال والجنوب المتوسطي .

لكننا نرى أن النضج الحالي لهذه الفكرة ليس وليد اليوم وإنما يعود بجذوره الى ثمانينات القرن الماضي وفي فرنسا على وجه التحديد. إذ في حينها قدم حزب الجبهة الوطنية ( حزب اليمين المتطرف الفرنسي والذي يرأسة السيد جان ماري لوبين (Jean Mari Le PAIN ) مشروعا سياسياً ، في مؤتمره الفرعي في مدينة مونتبلييه الفرنسية ، آنذاك والذي كان بإشراف البروفسور جان كلود مارتينيز

Mr ``le Professeur Jean Claud MARTINEZ `` ( وقد حضرت المؤتمر الذي أقيم في بلدية مدينة مونتبلييه بناءاً على الدعوة التي وجهت ليً شخصياً من قبل السيد رئيس المؤتمر ، وقد حضر المؤتمر أيضاً زميل لي من أصل سوري، وبناءاً على دعوة مشابهة ، وكان سبب دعوتنا هو أن البروفسور مارتينيز( رئيس المؤتمر وقتها ) كان إستاذنا المشرف في الدراسات العليا )الدكتوراه في العلوم السياسية ) ، وهو الذي أراد حضورنا في المؤتمر المذكور.

وقد طرح المشروع في المؤتمر بصيغة أن أوربا (بشكلها العام) ينقصها العمق الأستراتيجي مقارنة مع العمق الأستراتيجي لكل من الولايات المتحدة الأمريكية والأتحاد السوفيتي في حينها ، وكانت الحلول التي طرحت في ذلك الوقت ، مبنية على أن القارة الأفريقية هي العمق الأستراتيجي لأوربا فهي الأرض وهي السكان وهي الموارد، كما إن هذه القارة، تدين بالتقارب السياسي والأقتصادي والثقافي الى أوربا، إذن فهي النواة للعمق المنشود وعلينا ( الفرنسيون في ذلك الوقت ) العمل ليصبح هذا الأمر واقعاً ملموساً .

هذه كانت الفكرة الأم التي إنطلقت ولم تخمد . ورغم أنني تَعًرفت على هذه الفكرة عند اليمين الفرنسي المتطرف ( والذي لايكن الكثير من المودة للعرب والأفارقة على وجه الخصوص )، إلا أنني على يقين من أن الفكرة المذكورة قد نوقشت على أكثر من صعيد وبمختلف الإتجاهات . وعليه فإن الطرح الحالي ليس هو إلا طرحاً جزئياً من الفكرة الأم وبالشكل الذي يتلائم والظروف الحالية.

وحصيلة الطرح المشار اليه هو ماتم طرحه في مؤتمر مدينة فاس المغربية، والذي تم الإعداد له بفترة ليست بالقصيرة مع الأطراف المعنية، وذلك من خلال الزيارات المكوكية والمحادثات السرية والمساومات السياسية لبعض المواقف، والتي حددت بالنتيجة الخطوط العريضة للإتفاق على ما تم طرحه في المؤتمر المذكور، رغم وجود بعض الأصوات التي تعلو وتنخفض بين الدهشة والإستغراب والتساؤل لما يمكن أن يكون ، وماسينتج عنه لاحقاً .

وليس تجنياً القول ( وهو رأي شخصي مبني على الملاحظة ) بأن أطرافاً عربية مختلفة قد تبنت الأفكار المطروحة ، ولكنها لاتريد أن تظهر بمظهر الموافق عليها، بل إنها تنتظر اللحظة المناسبة ، ولحين مايستجد ما يبرر القبول للإعلان عما كان مقرراً ولننتظر عما سينكشف عما قريب . وما مؤتمر باريس الحالي إلا تعزيزاً لما سنطرحه في هذا المقال التحليلي لعلاقة الشمال الأوربي بالجنوب المتوسطي.

والسؤال الذي يطرح اليوم هو : هل في الموضوع مايخيف العرب ؟ والجواب هو ، بإعتقادنا ، إن الحلقة الأضعف في القارة الأفريقية ، هي بلدان شمال القارة الأفريقية (البلدان العربية) ، لأسباب مختلفة، منها ما هو سياسي ومنها ما إقتصادي ـ إجتماعي .. ناهيك عن الإستهداف الخارجي والداخلي .. والمتمثل في الحركات المتطرفة ، وعداء الأنظمة العربية لبعضها البعض ، وما تقوم به الدول الكبرى من إستهداف لكل ما هو عربي وإسلامي .. يضاف لكل هذا ، سمة عدم وجود رؤية إستراتيجية موحدة للعالم العربي. هذه الأسباب وغيرها أدت بالنتيجة ( الى عدم الإستقرار السياسي والأمني في المنطقة عموماً )، والذي إنعكس بدوره على الأنظمة السياسية في البلدان المشار اليها مما أدى الى زعزعتها ، وأصابة البعض منها باليأس والأحباط.

وعليه فأن الوقت الذي تعيشه الأنظمة المشار اليها هو بالذات، الذي تنظره بلدان أوربا الغربية، والتي لديها برنامجها السياسي الجاهز لأفريقيا كاملة، ولابأس لديهم (الغرب)من البدء في هذا المكان والذي يمثل (الحلقة الأضعف)، مما سيخلق الأساس والخطوة الأولى على جر الآخرين لنفس الحلبة المعدة سلفاً.

ليس هذا فحسب، وأنما هو ذات الوقت الذي تنتظره الأنظمة المرتبكة والمحبطة والتي تنتظر لمن يمد يد العون والمساعدة لها، لإنقاذها وليعطيها دفعة جديدة للإستمرار على المنوال القديم / الجديد في التعامل مع الداخل . ولاضير في أن يختلف هذا التعامل مع الغرب ، والذي سيسمح له بأكثر مما هو متعارف عليه . ومن هناك ستبدأ الكارثة الجديدة لهذه الأمة والتي لاتنقصها الكوارث.

إذ وبإعتقادنا بأن هذه الأنظمة ستتكبل بإتفاقيات هي الطرف الأضعف فيها ، ولن يطول الوقت بعدها لتجد نفسها، وقد رضخت وبإرادتها على قبول شروط الطرف الأقوى ، ( كما هو حال أغلب البلدان النامية التي ترضخ لما يطلبه منها صندوق النقد الدولي شريطة لإستمراره في دعمها ) وسيكون مصيرها مجهولاً .

بعدها ، ستجد هذه الأنظمة نفسها مقيدة وقد قيدت في ذات الوقت (والى أمد طويل) شعوبها بإتفاقات قانونية تبيح للطرف القوي تنفيذ مايريد تنفيذه ، وهذا هو الهدف الأسمى لإتفاقيات الشمال والجنوب المتوسطي .

فعلينا أن لانضيع في الجزئيات. وأن لانرضخ للجزره التي تقدم الينا اليوم، لإننا نعلم بأن العصا ستكون لمن عصى ،وأيً عصا !!! وإلا سيكون الأوان قد فات... ولنبدأ من النهاية التي توصل اليها مؤتمر باريس :

حيث الأتفاق المباشر مع سوريا لتنفيذ ما يجب عليها أن تعمل، ( وقد نفذت حتى هذه اللحظة ما كان مستحيلاً بالأمس )، والأتفاق مع الشمال الأفريقي بشأن الهجرة والتنمية ،

الحراك المحسوس للتواجد الأسرائيلي وأتصالاته بأطراف معلومة وغير معلومة،

وممارسة الضغط على الأطراف التي لها وجهات نظر مغايرة.

وإدخال المانيا بقوة في اإتفاقات الشمال والجنوب رغم عدم فاعليتها مع أطراف الحوار المعنية.

فالذي يخيف العرب كما يتضح هو ليس التطبيع مع إسرائيل فحسب ،

وإنما هو الوضع السياسي العام ، والوضع الإقتصادي العام ،

سيكون اللبنة الأولى لإعادة بناء إتفاقيات سايكس ـ بيكو المشهورة . وخير مثال يمكن تقديمه اليوم ، هي معاملة الغرب للسودان ، والرؤية الأمريكية لإدارة المنطقة .

فعلى العرب رغم تأخر الوقت إعادة تنظيم أنفسهم وفق رؤى إستراتيجية بعيدة المدى،

وبغيرها فما عليهم سوى القبول بما سيفرض عليهم ، وسيكون حال الجميع كما هو حال العراق اليوم ، إن لم يكن أكثر سوءاً .

الجمعة، 10 أكتوبر 2008

العراق القديم منبع ديمقراطية العالم. فأين موقعه اليوم؟


الدكتور أحمد الجُبير

أستاذ مشارك. كلية القانون. جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا

Ahmad.aljobair@hotmail.com




إن التقدم المادي الذي حققته شعوب الشرق القديم، لايمكن أن يكون بمعزل عن تقدم الفكر الإنساني في هذه المجتمعات، والذي يشمل بالدرجة الأساس الفكر السياسي. فالملوك في حضارة سومر وأكد، وبحكم صفات الزعامة، والدراية العسكرية لديهم لم يصلوا الى السلطة تلقائياً،

إذ كانت كل مدينة تختار زعيمها عن طريق مندوبين عن سكانها، فكان أن شكلت المدينة مجلسين للتأثير على القرار السياسي :

أحدهما يضم كبار السن والأعيان.

والآخر يضم الرجال القادرون على حمل السلاح.

وعن طريقهما يتم إختيار الملك والهيمنة على الشؤون العامة للدولة. وهو مبدأ ينطبق والفكر السياسي الحديث. وقد أفرز هكذا نظام، قادة عظام كسرجون الأول، الذي وحًد المدن وكوًن الإمبراطورية من الخليج حتى البحر المتوسط.

إلا أن السومريون لم يستطيعوا أن يحافظوا على وحدتهم زمناً طويلاً فنشأ من ذلك، نظام " دويلات المدن "

قبل أن يعرف الإغريق هذا النظام بحوالي 2000 سنة، وقد تميز هذا النظام، بالتنافس والصراع من أجل الهيمنة، إلا في بعض المجالات " كالدفاع مثلاً، وفي بعض العلاقات التجارية" حيث يتم فيها تعاون جميع الأطراف.

ولتعلم عزيزي القاريء الكريم، من أن ملوك سومر الأوائل :

لم يكونوا طغاة أو مستبدين، ولم تكن لهم الحرية في العمل،

إلا إذا إستشاروا مواطنيهم من النبلاء في المصالح الكبرى للدولة

وعلى الأخص في قضايا الحرب والسلم، والذين كانوا يجتمعون في جمعيات تمثيلية.

إن الرجوع الى مؤسسات ديمقراطية بهذا الشكل منذ الألف الثالث قبل الميلاد،

مثًل إسهاماً سومرياً جديداً في الحضارة الإنسانية، لأنه دلً على أن الديقراطية ليست من صنع الغرب،

وإن الشرق الأوسط يمكن أن يكون مهداً للديمقراطية، مهما بدت هذه الديمقراطية لأول وهلة بدائية الشكل.

ويشار في نفس السياق، الى أن حمورابي أعاد ( في القرن الثامن عشر قبل الميلاد ) وحدة العراق وترك لمجلسي الكبار والجمعيات الوطنية أن يلعبا دوراً مهما في حياة الدولة. وحين التدقيق فيما تركته هذه الفترة من الحكم، نرى إنها تركت أروع القوانين الإنسانية، ويعتبر " أوركاجينا" ملك لجش أول مشًرع في تاريخ البشرية.

ويؤكد المختصون في عالم السياسة، على أن أغلب العناصر الحيوية للسياسة البابلية تضمنتها شريعة حمورابي التي هي، مجموعة قوانين إجتماعية وسياسية إشتملت على حماية حقوق الأفراد وعلى نصوص خاصة بإنعاش التجارة والنشاطات الإقتصادية المختلفة. هذا وقد أشارت مراجعهم على أن : * التأثير على حقوق الأفراد،

* وتشخيص طبيعة سلطات الحاكم،

* ووجود مجالس الكبار،

* والمجالس الشعبية أو الوطنية،

كل ذلك عَبًر عن خطوة متقدمة في تاريخ الفكر والتنظيم السياسي، إذا ماقيس بما كان في البلدان الأخرى في ذلك الوقت ، حيث سيادة الحكم الأستبدادي البعيد عن الإنسانية ، والبنى الطبقية التي كانت تحتويها، والتي كانت تعًد أكثر تصلباً مما هي في بابل القديمة.

فإذا كان كل ذلك في التاريخ العراقي القديم ، فأين هو اليوم من تطبيق ديمقراطية الأمس ؟

وحين نروم الإجابة على هذ السؤال، علينا تحديد فيما لو وجدت الديمقراطية في هذا البلد اليوم، ووفق أي المذاهب يطبق هذا المفهوم .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) إنظر د. أحمد الجبير: " مبادىء العلوم السياسية " منشورات الجامعة المفتوحة. طرابلس. 1995.

ص.80 ـ 82.

(2) إنظر:

Samuel Noah KRAMER: ”L´hístoir commence á sumer” Arthand.Paris. 1975.P58.

(3) المرجع السابق. ص. 59.